الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة السؤال والجواب . وقوله : مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ تذكير بأحوال الرزق ؛ ليكون أقوى حضورا في الذهن ، فالرزق من السماء المطر ، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر وكلإ . و ( أم ) في قوله : أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر . ومعنى : يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ يملك التصرف فيهما ، وهو ملك إيجاد تينك الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه . وأفرد السَّمْعَ لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس . وأما الْأَبْصارَ فجيء به جمعا لأنه اسم ، فهو ليس نصا في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ونحوه بخلاف قوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] لأن المراد الواحد لكل مخاطب بقوله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] . وقد تقدم عند قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ في سورة الأنعام [ 46 ] . وإخراج الحي من الميت : هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البيض ؛ فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم تكون فيها الحياة . و ( من ) في قوله : مِنَ الْمَيِّتِ للابتداء . وإخراج الميت من الحي إخراج النطفة والبيض من الحيوان . والتعريف في الْحَيَّ و الْمَيِّتِ في المرتين تعريف الجنس . وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز وجعل بمحسن التضاد ، كل ذلك لزيادة التعجيب منه . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ في سورة آل عمران [ 27 ] . غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء . وقوله : وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة . وهو هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعبرة في قوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [ الذاريات : 21 ، 22 ] .